مداد القلم
مع إنسانية الإنسان برعاية الخالق الديّان

ذاكرة – سويعات مع المخابرات

الكرامة الإنسانية والمخابرات المنحرفة

ذاكرة - أكتب على استحياء ممن أصيبوا ببلاء المخابرات المنحرفة، إذ أتحدث عن الذاكرة مع احتكاكات عابرة فحسب.


ذاكرة –  سويعات مع المخابرات

ذاكرة شخصية

لا أحب في الأصل أسلوب الكتابة تحت عنوان: يوميات أو مذكرات وما شابهها، فجميع ذلك يدور حول كلمة (أنا) وكثيرا ما تجنبتها في معظم ما خطه القلم منذ السبعينات من القرن الميلادي العشرين. ولا يتناقض ذلك مع ما نعلمه عموما عن أن يوميات المشاهير مصدر من مصادر العلم والمعرفة لكثير من خلفيات الأحداث وصناعتها، إنما الشرط الموضوعي لذلك هو أن يتمكن من يطلع عليها من الفصل بين مفعول كلمة (أنا) وبين واقع الأحداث الوارد ذكرها.

هذه السطور حررت عام ٢٠١٣م حول ما أقدر تأريخه بأوائل الستينات من القرن الميلادي العشرين، وهي مقدمة حلقات تشمل بعض الاحتكاكات مع المخابرات في بلدان متعددة، فأنشرها معا تحت عنوان مخابرات، بأسلوب ذكريات، لاعتقادي بأننا نعايش تحولا مفصليا باتجاه مجتمع حضاري وأمة كريمة، بعد انتشار الاستبداد والفساد وكانت ركيزتهما ما يسمى الجانب الأمني، وبئس التسمية، فهو جانب التخويف والقمع والترويع والإهانة والإذلال والإجرام، من أجل تأمين معادلة التبعية والهيمنة محليا ودوليا.

ليست لي تجربة مباشرة مع أي جهاز مخابرات إذا اعتبرنا التجربة تشمل الاعتقال العشوائي والتعذيب الهمجي، ولهذا أكتب على استحياء ممن أصيبوا بذلك البلاء، فلن تتضمن الحلقات التالية ما كان من نقاط تماسّ عابرة، ولكنها معبرة عن طبيعة أجهزة المخابرات، ومن يعملون بها تحت مظلتي الاستبداد محليا والهيمنة دوليا.

٠ ٠ ٠

الكرامة الإنسانية

أول مشاهد التماس مع المخابرات وممارساتها، كان شاهدَ العيان عليها طفلٌ لم يستوعب أصلا ما تعنيه كلمة مخابرات ضمن هيكل حكم عسكري حزبي استبدادي، وكان لأبيه متجر في ساحة عرنوس بدمشق، وكثيرا ما دعا ابنه ليكون معه في المتجر، ربما ليخفف العبء عن أمه وإخوته في البيت. وظهر في المتجر ذات يوم زبون، ما زالت صورته في الذاكرة بعد عقود صورة رجل فظ، كريه، سيّئ الخلق والسلوك، اختلف مع الأب صاحب المتجر على ثمن سلعة ما، فتطاول عليه بالكلام بألفاظ دنيئة، وهدده رافعا في وجهه سبابته الغليظة، حتى خفت صوت الأب وهو يحاول تهدئة الزبون بلطف ويوفر عن ابنه أثرا نفسيا مهينا، ولكن الزبون إن صح التعبير لم يهدأ وينصرف إلا مع الشتائم المتدفقة مع الزبد بين شدقيه. وتحول المشهد إلى عقدة نفسية في أعماق الطفل، لا يتحدث عنها لأقرب الناس إليه، ولم يخطر له أن الرجل الفظ كان من المخابرات إلا بعد نضوج وعيه السياسي، أما الأب فما كان ليتحدث مع ابنه عما تلقّى من إهانات، وعلام عجز عن الجواب عليها. ولكن بقي السؤال في الذاكرة: علام لم يرد الإهانة؟ هل خشي على نفسه أم على ابنه بجواره، وهل هذه حاله وحده أم هذا حال كثير من المواطنين في بلاد الكرامة والعزة والعلم والعلماء والأعلام والأخلاق والقيم والحضارة والفتوحات والتاريخ العريق؟ وأبعد من ذلك: ترى لو ثار القادرون على التحرك آنذاك، أي في وقت مبكر لنشأة الاستبداد المحلي، هل كانت تلك المخلوقات الهمجية، ستصل إلى انتشار جرائمها على حساب كرامة الإنسان إلى ما وصلت إليه بحق الكبار والصغار من أبناء شعب، لا بد أن يثور يوما ما ولا بد أن ينتصر بعون الله.

٠ ٠ ٠

جواسيس على المصلين

في مدينة بون، عاصمة ألمانيا الغربية سابقا، كان لنا منذ أواخر الستينات من القرن الميلادي العشرين، مصلى صغير، تموّله دراهم معدودات مما يقتطعه الطلبة والعمال من دخلهم المحدود، ويتردّد عليه مسلمون مقيمون، وآخرون عابرون، من مختلف الجنسيات، وكان معظم العابرين مرضى يقصدون ألمانيا للعلاج.

كانت خطبة الجمعة التي حملت المسؤولية عنها في ذاك المصلى، تتناول أحيانا الاستبداد وأفاعيله، ومسؤوليته عن الكوارث والنكبات، وكان من ردود الفعل على ذلك أن بعض السفارات نظمت إقامة صلاة الجمعة داخل المباني التابعة لها، لتخفيف نسبة من يأتي إلى مصلى بون من موظفيها ورعايا بلدانها، بل إن السفارة المصرية قررت استخدام مركزها الثقافي العربي للصلاة يوم الجمعة، ولكن خصصتها للطلبة المصريين فقط، وأنذرت من يتردّد منهم على مصلانا الصغير (في شارع بيتهوفن) بالتضييق عليه في المنحة الدراسية وربما في تمديد جواز السفر! ولجأت سفارات أخرى كالسورية والليبية إلى أسلوب آخر، فبدأت ترسل عناصر مخابرات يتسللون بين المصلين للتجسس لدينا على من يرتكب جريمة (!) الاستماع إلى خطبة سياسية في مصلانا الصغير.

لم أحاول إقناع نفسي أصلا بالسكوت على ذاك التجسس، لا سيما وأن المصلين من العابرين كانوا يثقون بأهل المصلى، فلا يقدّرون وجود عناصر مخابرات يتسللون لإلحاق الأذى والضرر بهم.

لجأت إلى البيان المهذب تلميحا، فتحدثت في إحدى الخطب حول تناول الشؤون السياسية في الخطبة أحيانا، وأن الحديث عن أمور سياسية ليس حراما على عامة الناس مقابل من كانوا يخدمون الاستبداد والفساد، وقلت إنني لا أحب التدخل في السياسة في الأصل، ولكن لا بد من حرية إبداء الرأي تجاه ساسة بلادنا وهم غير منتخبين، ولا مفوّضين، ولكنهم يتدخلون في الشؤون الشخصية للأفراد، مثلا عبر المناهج في وسائل الإعلام التي تقتحم البيوت، ومناهج التدريس التي تطبق على أولادنا، ثم الانحرافات المدعومة لتوجيه أهلنا ثقافيا وفنيا وأدبيا، ناهيك عن إكراه المواطن على الرشوة في الدوائر الحكومية، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى.. فلتعذرني سفارات بلادنا إذن أن أتكلم في السياسة بين الحين والآخر، وإن كنت لا أخشى أن تنقل مخابراتهم ما تشاء، فهو مما أكتبه علنا في وسائل الإعلام على كل حال!

لم ينفع التلميح، فقررت أن أتبع أسلوبا آخر، فاخترت مخبرا من ليبيا كان أوقح من سواه، إذ اعتمد على عامل الثقة الذي جمعه في مكان الصلاة بأولئك الليبيين المرضى تحت العلاج في بون، فيطلب ببساطة التعرف عليهم، ويسجل أسماءهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم.. ليمارس ما يمارسه من فساد في تقارير يعلم الله ما يكتب فيها! فحذرته في حديث جانبي من مغبّة عمله، وأنذرته بلطف أن يكفّ عن ذلك، فأنكر أنه من المخابرات أصلا، فذكرت له اسمه ومسقط رأسه وقرابته العائلية مع القذافي المستبدّ، ولم يرتدع. بعد صلاة الجمعة التالية دخلت في حلقة جمعها حوله، وفيها من المصلين من المرضى الليبيين من فيها، فقلت أريد أن أعرّفكم ببعضكم بعضا، فلان طبيب يتخصص، وفلان طالب هندسة، وهذا مريض تحت العلاج لا أعرف اسمه.. وجاء دوره فقلت: وفلان من البلدة الفلانية في ليبيا، وهو عنصر في المخابرات الليبية، يعمل حاليا في التجسس على المصلين من المرضى الليبيين في هذا المصلى الصغير في ألمانيا. استشاط غضبا وأحدث ضجة، ولكن غاب بعد ذلك ولم يعد!

قلت في نفسي سيلحق به آخرون من صنائع سفارات عربية أخرى، فلم يفعلوا، وكأنهم قطعة عضوية من الطغيان. لا بدّ إذن من أسلوب آخر أيضا يعتمد على أن المخبرين معروفون، سيماهم في وجوههم، وتظهر هويتهم على فلتات ألسنتهم. وكنت أراهم أثناء خطبة الجمعة جالسين متجاورين، يأخذون مواقعهم في مؤخرة الصفوف ويراقبون من يدخل ومن يخرج، ثم يعملون على استخلاص المزيد من المعلومات بعد الصلاة، عندما يتلاقى المصلون لفترة وجيزة في أحاديث جانبية ودردشات.

في خطبة تالية، ذكرت من البداية أنني سأتحدث اليوم عن المخابرات، وكان هذا كافيا لتشرئب أعناقهم وتجحظ أبصارهم.

بدأت بقصة الهدهد مع سليمان عليه السلام، فقد كان في مقام المخبر عن وضع بلد قريب..

وانتقلت إلى عمل بعض من كان يبعث بهم الرسول صلى الله عليه وسلم لتفرقة الأحزاب في غزوة الخندق أو لاستكشاف الطريق قبل فتح مكة..

وتحدثت عن الفارق بين التجسس والتحسس الذي مارسه الفاروق رضي الله عنه ليطمئن على احتياجات رعيته ويلبيها..

وانتقلت إلى العصر الحاضر وكيف تعمل المخابرات، بما فيها المعروفة بممارسات قذرة، كالموساد والمخابرات المركزية الأمريكية، فترتكب ما ترتكب مع الاعتقاد أو الوهم أنه في مصلحة شعب بلادها، ولا تأبه بما تُلحق من ضرر بشعوب وأوطان أخرى.. 

ثم قلت: أما المخابرات في بلادنا حديثا، فقد أنشئت لتكون قطعة عضوية من ممارسات الطغيان لقهر الشعوب في الداخل، وتتعاون عدا ذلك مع مخابرات أجنبية في الخارج.

ووصلت إلى حيث أردت: هذه المخابرات ترسل عناصرها إلى مكان كهذا المصلى الصغير، لتتجسس على أبناء الوطن في مغترباتهم، وكأن السفارات التي ترسل بهم لا تعرف أن مهمتها الأصلية هي خدمة رعايا بلدانها، وليس ترويعهم وإلحاق الضرر بهم!

ثم توجهت نحو الجالسين في مؤخرة الصفوف بالكلام المباشر: هنا يجلس مخبرون من سورية وليبيا والمغرب، أعرفهم فردا فردا، وبلغني أنهم ينقلون ما يقال مغلوطا أو ناقصا، وأطالبهم ألا يأتوا في جمعة قادمة إلا ومعهم آلات تسجيل يضعونها أمامهم، لينقلوا ما يريدون نقله بشكل صحيح، وإلا فسوف أفضحهم على الملأ!

بعد ذلك اليوم لم أر أحدا منهم في مصلانا الصغير في بون.

٠ ٠ ٠

ما لي وللملك حسين

لم يمض على وجودي في ألمانيا زمن طويل كطالب، ولم يبلغ القلم الإعلامي أو التأليف مجالا واسعا بعد، إنما كنت أنشط في لقاءات تجمع المغتربين من الطلبة على ما يذكّرهم بأوطانهم الأصلية، وبعض قضايا أمتهم، وكان ذلك في حينه بالعشرات فحسب.

ذات يوم.. وصلتني رسالة رسمية، من جهاز أمني ألماني، تبلغني بوجوب تقييد حركتي لمدة ثلاثة أيام ابتداء من صباح اليوم التالي، فلا ينبغي أن أغادر المنزل إلى أي مكان دون أن أبلغ مركز الشرطة الأقرب لمكان سكني، أما السبب.. فغير مذكور في الرسالة.

كنت قد بدأت أعمل كمحرر حرّ في القسم العربي من إذاعة صوت ألمانيا، فكان لا بد أن أنتقل إلى مكان العمل في الأيام التالية، وفعلت ذلك ولكن لم أذهب إلى مركز الشرطة، بل إلى مكتب الهجرة والجوازات للأجانب، ولم أكن أحمل الجنسية الألمانية فقد امتنعت في البداية عن طلب الحصول عليها، وبعد انقطاع حصولي جواز سفر سوري، أصبح لا بد من تيسير أسباب السفر والمعيشة والدراسة وغيرها لي ولأفراد الأسرة معي في المغترب. وذهبت إلى مكتب الهجرة والجوازات لأن فيه موظفين نشأت معهم علاقة قائمة على شيء من الثقة، فأبرزت لأحدهم الرسالة الرسمية وسألته بشيء من التهكم مع الدعابة: “هل أصبحت خطيرا على الأمن في ألمانيا؟”  

وعرفت السبب ولكن حتى الآن لا أستطيع تفسيره، فقد أخبرني الموظف بعد أن راجع الملف الرسمي لديه، إذ قال إن السبب هو زيارة الملك الأردني حسين (آنذاك) لألمانيا في الأيام الثلاثة المذكورة!

لم أكن قد رصدت تلك الزيارة في حينه أصلا، وأذكر بالمناسبة أن كثيرا من الرؤساء والملوك العرب كانوا يزورون ألمانيا، ولا تكاد زياراتهم تذكر إلا في خبر عابر في الصفحات الداخلية من الصحف، أو بإيجاز في مؤخرة نشرة أخبار إذاعية، وأحيانا نادرة في محطة للتلفزة، وكنت أضحك بشيء من المرارة عندما أجد أن وسائل الإعلام في بلد الزائر تواكب تلك الزيارات على أنها تاريخية! وتقول ببساطة إنها كانت في صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي في البلد المضيف! بل أُحرجت ذات مرة عندما اتصلت بي الإذاعة الرسمية في القاهرة، تطلب التعليق في حوار إذاعي، حول التفاعل مع زيارة الرئيس الأسبق حسني مبارك في برلين، أما الحرج فلعدم سماعي بخبر زيارته رغم أنني أتابع وسائل الإعلام.

عودا إلى موضوع هذه الفقرة: ما لي وللملك حسين وما كان يفعل أو لا يفعل؟

حاولت أن أستذكر القليل مما كنت أكتب أو أخطب، إن كان فيه ما يتعلق به أو بالأردن، ولم أجد ما يستحق الذكر، ثم ساءلت نفسي أخيرا، ربما كان السبب الحقيقي عرضاً مصورا قدمته لجمع من الطلبة والمقيمين العرب، تناول آنذاك التعريف بمدينة بيت المقدس، بتاريخها وآثارها وموقعها لدى العرب والمسلمين، وفي نطاق قضية فلسطين.. ولكن أي خطر يمثله ذلك من جانب طالب مثلي على زيارة ملكية سياسية! أم أن المخابرات ترصد علاقتي بإخوة لي من فلسطين يترددون على مصلانا الصغير، ومنهم من كان ينتمي إلى منظمة فتح، وما كان لمنظمات المقاومة الإسلامية وجود فاعل في تلك الفترة، وليس مجهولا ما شهده الأردن وحمل عنوان أيلول الأسود!

كما قلت آنفا.. لا أدري السبب المنطقي الحقيقي حتى الآن، ولكن أعلم علم اليقين، منذ ذلك الحين ومن خلال ألف شاهد وشاهد حتى اليوم، أن قضية فلسطين تواجه عملا عدوانيا واسع النطاق، تلتقي عليه قوى عديدة، لترسيخ اغتصاب الأرض، والهيمنة على ما حولها وتصفية تاريخها وحاضرها ومستقبلها، فهل يعمل المخلصون على مستوى ما تتطلبه القضية المصيرية المشتركة؟

٠ ٠ ٠

يتابعون شؤونك ولا تدري

أمضيت عشرات السنين في ألمانيا دون أي تماس مع جهاز أمني ألماني إلا نادرا، ولكن وقع التماس بعد أن ارتكبت خطأ معيشيا جسيما بتأسيس شركة صغيرة دون دراية أو خبرة عملية بإدارة الشركات، فأفلست بعد فترة وخسرت ما جمعته من مال في عملي الإعلامي، وما شارك به آخرون معي، وأصبحت في وضع عسير فضاعفت السعي للكتابة في وسائل إعلام عربية. 

وغالبا ما كنت أكتب في أحد المقاهي، فيدفع الفضول بعض الجالسين للدردشة معي حول اللغة العربية وكيف أكتب من اليمين إلى اليسار، وماذا أكتب.. فلم يكن يوجد ما يريب عندما صنع ذلك ذات يوم رجلان أنيقا اللباس؛ لولا أنهما من أولئك الذين تظهر سيماهم في وجوههم وفلتات ألسنتهم.

انتقلت الدردشة لتشمل ما أحصّله مما أنشر، والأحداث السياسية، والمسلمين في هذا البلد، وإذا بهما يلمّحان ثم يصرّحان بعرض مصدر رزق أفضل لي مقابل الكتابة بالألمانية التي أتقنها أيضا، وأدركت ما يريدان، ولكن أردت سماع المزيد، فتساءلت عن المطلوب تماما، وزادت جرعة التصريح على جرعة التلميح، بصدد معلوماتهما عن تردّدي على المساجد والمراكز الإسلامية، وأنني خففت من ذلك مؤخرا، وبدا أنهما يعيدان ذلك إلى خلاف مع القائمين عليها، ويوجد شيء من ذلك فعلا ولكن حول آليات العمل وليس حول جوهره ومنهجه، وكانت الرغبة في التفرغ للكتابة والتأليف سببا أهمّ؛ إنما لا يخفى من الحديث أن المراقبة قائمة إلى حد كبير، ولا نكاد نتكهن بوجودها فضلا عن أن نعلم بأسبابها وأن نتعامل بجدّ معها. باختصار: أراد الرجلان استغلال وضعي المالي آنذاك لإغرائي بدخل وفير مقابل التجسس على إخواني، فرفضت وانصرفا بأدب.

لا ريب أن عمل المخابرات في مقدمة ما يجسّد القاعدة الكريهة المعروفة: الغاية تبرر الوسيلة، ولكنّ الأسوأ من ذلك، أن للمخابرات غايات منحطّة، ووسائل مشروعة وغير مشروعة.

٠ ٠ ٠

تهديد في المغترب

ليس لي إلا القليل مما يرتبط بي في الفقرات التالية، ولا يعادل نصيبي منها قطرة من بحر الحدث الجلل يوم السابع عشر من آذار/ مارس ١٩٨١م عندما اغتيلت الشهيدة بنان الطنطاوي العطار، أم أيمن رحمها الله، في مدينة آخن بألمانيا، على بعد مائة كيلو متر من بون التي أقطن فيها، وكنت قد تعرفت على زوجها أستاذي الجليل عصام العطار بعد وصول كل منّا إلى ألمانيا بفترة وجيزة.

وقد اشتهرت مخابرات الحكم الاستبدادي بسورية بعمليات الاغتيال الغادرة خارج الحدود، الشبيهة بما تصنعه مخابرات موساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية.

وكنت أعلم أن عصام العطار كان مع أسرته مستهدفا، ولكن لم أكن أتصور أن تبلّغني المخابرات الألمانية أن اسمي ورد مع اسمه على قائمة عناصر من المخابرات السورية، تم إلقاء القبض عليهم آنذاك أثناء تسللهم إلى الأراضي الألمانية.

يوجد ما يعتبرونه جرائم ضد سلطاتهم وما و بجريمة أصلا، والواقع أنني لم أكن أملك، ولا أملك حتى الآن، في عالم السياسة سوى ما يخطه هذا القلم، ولم أكن يوما عضوا في حزب سياسي أو جماعة كبيرة معروفة، ولا شغلت منصبا من المناصب، ولا تطلعت إلى ذلك أصلا، ولا أعتبر هذا القلم من الأقلام المشهورة، ولا أحسب أن ما يكتبه يصل عبر وسائل إعلام جماهيرية إلى حشود كبيرة؛ فما الذي صنعت إذن؟

المشكلة ليست في الطرف المستهدف فقط، بل فيمن يبلغ به الخوف على تسلطه وفساده مبلغا يجعله يخشى من الكلمة ولو كانت من مستوى الهمس وراء الجدران.

طلب إليّ الجهاز الأمني الألماني المختص أن أكون حذرا وأن أنتقل من البيت الذي أسكنه في حي متطرف من بون إلى حي آخر، ولم يفارقني الظن أن فيما قيل لي بعض المبالغة على الأقل، إنما اتبعت التعليمات وأخذت حذري قليلا، لا سيما وأنني كنت أغادر المنزل مرارا في ساعة مبكرة من الفجر إلى مكان عملي على بعد ٣٠ كيلو مترا تقريبا.

في فجر أحد الأيام كان للحذر مفعوله إذ لمحت أثناء اقترابي من موقف سيارتي وجود شخصين في سيارة أخرى في تلك الساعة المبكرة، وقد وقفت سيارتهما بطريقة مائلة شاذة في المكان، وكأنهما يراقبان سيارتي، وتمكنت من الركوب من الباب الآخر بهدوء كبير، وإن هي إلا لحظات حتى انطلقت من المكان.

لحقت بي السيارة المريبة في شارع عام، وتأكدت من ذلك بتخفيض السرعة لتتجاوزني، وبمضاعفة السرعة حينا آخر، وعندما انعطفت فجأة نحو اليمين لم يدركا على ما يبدو أنني تعمدت الدخول في مرآب مركز للشرطة، حتى إذا أصبحا في المرآب خلفي كنت قد تركت السيارة مسرعا ودخلت عبر باب المركز، فلاذا بالفرار على الفور.

لم يقع حادث آخر من هذا القبيل مرة أخرى، لا سيما بعد أن انتقلت إلى منزل مجاور لمبنى سفارة ألمانيا الشرقية سابقا، وكنت بذلك تلقائيا في أكثر مناطق بون حماية.

٠ ٠ ٠

فلسطين بين الإسلام والمخابرات

كان من عناصر المخابرات، كما يعلم ذلك القاصي والداني في السفارة السعودية في بون، التي اشتغلت في القسم الصحفي فيها لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، أعد تقارير حول الأوضاع السياسية والاقتصادية في ألمانيا، وأتحاور حولها مع السفير جميل حجيلان (رحمه الله) وكان ديبلوماسيا مثقفا ومحترما، وعندما تبدّل ولم يخلفه من يملأ مكانه، انتهزت أول فرصة للاستقالة.

في تلك الفترة من الثمانينات في القرن الميلادي العشرين ازداد الإلحاح شعبيا وحركيا على أن يكون للاتجاه الإسلامي دور أكبر في العمل لقضية فلسطين المحورية، بعد اهتراء اتجاهات أخرى في نكبة ١٩٦٧م وبعد انتشار الصحوة الإسلامية الشعبية. ومن روح الاستجابة لذلك الإلحاح تشكلت في ألمانيا (لجنة العمل الإسلامي لفلسطين) وضمّت يوم تأسيسها زهاء ثلاثين مغتربا من مختلف البلدان العربية والإسلامية، وصدر عنها أول بيان عرّف بتأسيسها وأهدافها.

بعد يوم أو يومين دخلت مبنى السفارة فوجدته.. وجدت ذلك العنصر من المخابرات، وقد وقف على مقربة من غرفة المكتب الصحفي الذي أعمل فيه، وحوله عدد من الديبلوماسيين والموظفين المحليين، وبادرني بالتحية:

– أهلا سيد شبيب..

– أهلا بك..

وتابعت المسير إلى الغرفة وهو يتحدث قائلا:

– لدي سؤال سيد شبيب..

وضعت حقيبة أوراقي على طاولة المكتب ورجعت لأقول:

– خيرا؟

– سمعت عن تشكيل لجنة أو منظمة، تتعلق بقضية فلسطين، هل تعرف شيئا عن ذلك؟

– نعم اسمها الرسمي: لجنة العمل الإسلامي لقضية فلسطين، وأحسب أن بيان تأسيسها وصل إليك.

– ما هي هذه اللجنة؟.. هل تعرف شيئا عنها؟

– نعم، فأنا من المؤسسين، وهي كما يقول اسمها لجنة.. العمل.. الإسلامي.. لقضية فلسطين.

– ولكن ما المقصود؟.. من هم المؤسسون؟

– كما قلت.. أنا واحد منهم وهم عدد من الطلبة والخريجين من بلدان عديدة

– من البلدان العربية؟

– العربية والإسلامية؛ فنحن لا نميز بين هذا وذاك في العمل لهذه القضية المحورية المصيرية.

كنت أعلم ما يريد، وبقيت أجيب بهدوء وبأسلوب التعميم، علما بأن اللجنة علنية وعملها علني، فلا يحتاج الأمر إلى جهد استخباراتي، ولكن كان الرجل فاشلا في عمله. قال:

– إذا عَلِمنا مَنِ القائمون عليها يمكن أن أسعى لتأمين دعم لهم.

– لا بأس، أنا أحد المسؤولين عنها، وإذا جئت بدعم مالي، يمكن أن يكون عن طريقي ما دمتُ موضع الثقة في هذه السفارة.

كان الديبلوماسيون والموظفون يتبادلون حولنا نظرات التساؤل عما سيفضي إليه هذا الحوار الرتيب المملّ بين طرفين يتجنبان ذكر القصد الحقيقي منه، ولكن أرهقته إجاباتي فوصل إلى ذلك القصد:

– هل يوجد أحد من المملكة (السعودية) في هذه اللجنة؟

– نعم يوجد، ويوجد من مختلف البلدان العربية والإسلامية كما ذكرت لك.

نفذ صبره فقال مباشرة:

– من هم؟ ما هي أسماؤهم؟

أجبت دون أن تتبدل نبرة الرتابة في كلامي قيد أنملة:

– لن أقول لك أسماء المواطنين من بلدك.. كيلا تبلّغ عنهم المخابرات التي تعمل فيها!

جن جنونه بمعنى الكلمة، فهو لا يبوح بعمله علنا، ويزعم أنه من الديبلوماسيين فحسب، وبدأ ينكر ويتكلم كلاما أقرب إلى الهذيان، ومضى بي يوسف المطبقاني (رحمه الله) السكرتير الأول من الديبلوماسيين إلى الغرفة، والرجل يرغي ويزبد، وعلمت بعد أيام أنه بعث بتقرير حولي إلى وزارة الخارجية، فبعثت بمذكرة رسمية إلى السفير تستفهم عن الأمر، ولكن علاقتي المهنية الجيدة بالسفير جعلته يتدارك المشكلة، فبقيت في عملي وغاب الرجل عن أنظاري بعد ذلك اليوم.

٠  ٠  ٠

في تلك الفترة انتشرت كتاباتي في وسائل إعلامية عديدة ونُشرت لي بعض الكتب حول قضية فلسطين، وكانت مجلة الحرس الوطني في السعودية تنشر لي بحثا شهريا حول قضايانا والقضايا الدولية، ولعب ذلك دوره في استضافتي سنويا للمشاركة بالمحاضرات في الجنادرية، وهي مؤتمر فكري سنوي ضخم برعاية الحرس الوطني، وبمشاركة محاضرين إسلاميين وعلمانيين.

في تلك الفترة كان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وانتشار دعوات الجهاد هناك، وشاركت في ذلك منظمات تبنت فكرا متشددا وسعت لاستقطاب شباب مسلم في مقتبل العمر، ومن الوسائل لذلك منتديات الحوار الشبكي التي سبقت ظهور مواقع التواصل الاجتماعي.

واستعان بي شاب مسؤول عن منتدى السقيفة الحواري لأواجه ما اعتبره حملة تغرير بالشباب المترددين على السقيفة، ومن ذلك أن المتطرفين كانوا يربطون كلمة الجهاد بفكرهم وبكلام مرسل، ويستغلون حماسة الشباب للنفير في أفغانستان كما يقولون، دون ما يحتاجه أي مجاهد، من إعداد نفسي وأسروي معيشي وما يكفي من العلم والمعرفة والوعي. استجبت لطلب المسؤول عن السقيفة فساهمت واقعيا في عمل يلتقي في محوره وتفاصيله مع السياسة الرسمية السعودية آنذاك، وإن كنت حريصا وما أزال على تقييد هذا القلم بما ينطلق من اقتناعي الذاتي فقط.

فجأة.. صدر قرار من المخابرات السعودية بإغلاق منتدى السقيفة الفكري الثقافي الإسلامي، والقيّم بمعنى الكلمة، وعللت المخابرات القرار بأنه من (المنتديات الجهادية).. بعد استشراء تزوير معنى كلمة الجهاد نفسها فكأنها تهمة تلاحقها المخابرات والمحاكم العشوائية!..

إن هذه الواقعة تعني دون رتوش جهاز مخابراتٍ يسيطر الغباء عليه قد أغلق منبرا من منابر توعية جيل الشباب، وأن هذا القرار من نتائج نشر فوضى المصطلحات لدرجة الطعن في أسمى المعاني في وعينا المعرفي الإسلامي الحضاري العروبي الإنساني.. أما آن الأوان إذن لدق ناقوس الخطر، وبذل ما يكفي من الجهود المدروسة لاستعادة أنفسنا؟..

لم أتوقع في حينه أن يصيبني بعض الرذاذ من ذلك الغباء المخابراتي، ثم لاحظت أنني لم أعد أتلقّى الدعوة المعتادة للمشاركة في الجنادرية، واتصلت بأحد من أعرف من المطلعين من المسؤولين عن التحضير للمؤتمر، وتربطني به علاقة قائمة على الثقة، وسألته إن كان يوجد سبب للانقطاع المفاجئ، فقال بلهجة من لا يملك من الأمر شيئا، سوى عبارة مرفقة بضحكة ساخرة:

– نعم.. نعم.. اسمك ورد في قائمة استخباراتية لتصنيف الجهاديين!

٠ ٠ ٠

محاضرات ودردشة

وصلتني دعوة للمشاركة في اجتماع تمهيدي لتأسيس منظمة باسم المنتدى العالمي للوسطية، وكان تأسيسه يوم ٢٥ / ٩ / ٢٠٠٢م مع موافقة رسمية من جانب السلطات في الأردن؛ وقد شاركت بالتأسيس ولاحقا بعدة محاضرات في مؤتمرات تالية. وما كان للمنتدى أن يتأسس ويمارس أنشطته، دون أن تكون المخابرات الأردنية قد شهدت على الأقل بأنه لا يوجد على أحد من المشاركين في التأسيس ما يمنع أمنيا وحتى فكريا من المشاركة. بتعبير آخر لا يوجد جهات مخابراتية تمنع زيارة الأردن، كما حدث لاحقا، وكنت أتردد عليه من قبل سنويا، لزيارة معارف وأقارب هناك.

في إحدى الزيارات بعد تأسيس المنتدى وصلت إلى مطار عمّان فاستوقفني على غير المعتاد موظف الأمن بعد أن ذكرت له اسمي الرباعي واسم أمي وأن جنسيتي الأصلية هي الجنسية السورية، فطلب إلي دخول غرفة صغيرة، جلس فيها عدد من عناصر المخابرات، فأخبروني أن علي مراجعة المديرية العامة للمخابرات في اليوم التالي، وأن جواز سفري محفوظ وأستلمه هناك بعد المقابلة!.. ما السبب؟.. قال ذلك العنصر إنه لا يدري!

كانت تلك المرة الأولى لرؤية مركز مخابرات في بلد عربي من داخله، ولم يشمل ذلك الأقبية التي تضجّ بأنين نزلائها، ولكن يكفي لسريان القشعريرة في جسدي أن أجلس مع الجالسين في قاعة انتظار كبيرة، تتسع لعدة مئات، كانوا في صفوف متتابعة قابعين على الكراسي الحديدية، بانتظار أن يأتي دورهم، واحدا بعد الآخر، وقد أخذوا هواتفنا المحمولة، فأصبحنا منقطعين عن العالم الخارجي! ما الهدف من تلك الخطوة، ماذا يراد مني، وما هو السبب؟ 

خطرت في بالي مقالة واحدة، والأصح بضعة سطور كتعليق كتبته حول الملك الأردني عندما زار ألمانيا، وكان في ضيافة رئيس وزراء ولاية بافاريا، فاعترض على المضيف أنه لم يضع على المائدة سوى العصير، وعندما يصنع الألمان ذلك فهم يحرصون على شيء من اللياقة الدبلوماسية في التعامل مع حاكم مسلم؛ فقال متبجحا إنه يشرب الخمرة أيضا، فأحضروا له ما أراد، وكتبت عن ذلك صحيفة ألمانية متهكمة عليه تهكما شديدا، فاستفز ذلك قلمي أن أصبح حكام بلادنا يصنعون بأنفسهم ما يجعلهم هدفا للتهكم بهم، ومن خلال ذلك ببلادنا وشعوبنا وواقعنا المتخلف. على أية حال بدا لي من بعد أن تلك السطور لم تكن سبب هذه المقابلة، ولو سئلت اليوم عن السبب، بعد مرور سنين وسنين، فليس عندي سوى الجواب: لا أدري!

بعد انتظار طويل نسبيا، جاء دوري مع الضابط المحقق ومشيت مع عنصر مخابرات في رواق طويل حتى وصلت إلى باب لا يختلف عن سواه، فطلب إليّ الدخول، فولجت إلى غرفة صغيرة ليس فيها سوى مكتب عتيق جلس خلفه ضابط محقق، وكرسي أعتق من المكتب، مخصص لجلوس الشخص المستهدف بالتحقيق.

قال: اجلس!.. قلت في نفسي: يبدو أن كلمة تفضل محذوفة من قاموس المخابرات العربية.. وتفضلت بالجلوس، بل وضعت ساقا على ساق وهي عادة قديمة عندما أجلس على كرسي غير مريح.

نظر نظرة شزرة.. وقال بعاميته: (نزّل رجلك) 

بدأنا إذن.. فلأبدأ أيضا، قلت وأنا أستجيب لطلبه:

– كما تريد، وإن سبق لي أن أجريت مقابلات إعلامية مع كثير من المسؤولين السياسيين، ولم يشعروا بالانزعاج أو المهانة وأنا أجلس معهم كما جلست معك الآن! 

كنت أتوقع ردّا عنيفا، وعجبت قليلا أن كان مفعول كلماتي معاكسا، فقد هدأ صوته بشكل ملحوظ، وأتى بكرسيه فجلس قبالتي، وبدأ الحديث متعمدا التهذيب واللطف! 

لا أظنه مهذبا ولا لطيفا.. بل هذا سلوك مغيّب عن مخابرات بلادنا، ولا تعرفه قطعا عندما يكون همّها انتزاع اعترافات ما بأي وسيلة، وعندما تعمل في الأقبية وليس في المكاتب الرسمية، ولكن ربما لعب دورا أنني أحمل جواز سفر ألمانيا، أو يبدو لي أنه تعمّد استخدام الأسلوب المهذب، فكأن الرجل من صنف المخبرين الذين يختارون الأسلوب المناسب لكل حالة على حدة.. وكان سريع البديهة، وسريع التفاعل مع الحوار.

المشكل.. أنه لا يوجد لدي ما يمكن أن يحصل عليه عبر استجواب استخباراتي، ولن أروي كل ما دار معه على مدى ساعتين تقريبا، بل لا يوجد أمر ذو قيمة يستحق الرواية فعلا! 

كان يسأل عن الطقس في ألمانيا، وعن دراستي، عن العادات الألمانية، وعن كتاباتي، عن مدارس أولادي، وعن السياسات الغربية، وأكاد أقول إنه لم يترك موضوعا إلا تطرق إليه، وكنت أعلم أنه يتبع أسلوبا مخابراتيا معروفا: الحديث المتشعب الطويل، حول أمور لا قيمة استخباراتية لها، من أجل اصطياد عبارة من العبارات حول أمر يهمّ المخابرات. ولم يكن لدي ما يمكن أن يهمه، فما أراه وأعتقده مكتوب منشور عبر عدد كبير من المقالات والدراسات، وعندما كان يتطرق إلى رأيي في قضية ما، كنت أشير غالبا إلى ما نشرته حولها، كما أرشدته إلى موقعي الشبكي الشخصي (مداد القلم) الذي يضم جلّ ما أكتبه، ولا أحسب إلا أنه اطلع عليه مسبقا.

بعد ساعتين من (دردشة) بدت فارغة لا جدوى منها، أشار إلى اكتفائه بما سمع، فقلت:

سألتني وأجبتك على مدى ساعتين ولدي سؤال إن أحببت لتجيبني عنه..

قال: تفضل!.. وواريت ابتسامتي؛ يبدو أن قاموس المخابرات يحتوى هذه الكلمة أيضا!

قلت: لم أفهم من هاتين الساعتين ما هو سبب استدعائي لمركز المخابرات، فهل لك أن تخبرني عنه؟.. ضحك لعدة ثوان.. وأحسبه كان يفكر بالجواب، ثم قال: لا شيء ذو بال، هي مجرد دردشة!.. قلت:

لا اعتراض على الدردشة معك، ولكن أقترح أن أتصل بك هاتفيا عند زيارتي القادمة، فأدعوك للدردشة في أحد المقاهي مع فنجان قهوة! 

ضحك مرة أخرى وأخرج بطاقة من جيبه وقال: هذا رقم هاتفي الخاص، سأفعل! (لم يفعل)

وعندما سلّمني في غرفة (رئيسه) جواز سفري، طرحت سؤالا مباشرا:

هل ستلغى الإشارة في المطار وأدخل في زيارتي القادمة لأقربائي أو للمشاركة في مؤتمر ثقافي فكري.. دون صعوبات؟

  • نعم.. بالتأكيد..

لا نعم.. ولا بالتأكيد.. كما ظهر لي في زيارات تالية.

٠  ٠  ٠

مجرّد خطأ

يمكن أن تصدّق عنصر المخابرات إن قال لك أمرا سلبيا، وإن كان مضمونه غير صحيح، فالغالب أنه يتوهّم صحة ما يقول آنذاك، أما أن يقول لك شيئا إيجابيا فلا تصدّقْ أنه يقصده ولو كان المضمون صحيحا.

قد يعاملك معاملة حسنة، ويقول إنه يعامل جميع زبائنه معاملة حسنة، وقد قيل لي ذلك، وكذب القائل..

وقد يقول لك إن الإشارة الموضوعة في سجل مخابراته عنك ألغيت، كما قيل لي، وكذب القائل.

في زيارتي التالية كان علي المشاركة بمحاضرة في مؤتمر ثقافي فكري افتتحه أحد كبار المسؤولين في ذلك البلد، فهو تحت رعاية رسمية؛ وفوجئت أن موظف الأمن احتفظ بجواز سفري وطلب إلي كما حدث في المرة الماضية الدخول في مكتب صغير للمخابرات في المطار، فدخلت، وذكرت لمن فيه أنه قيل لي في مركز المخابرات قبل عام إن الأمر انتهى، فهل من جديد، وجاء الجواب: (لا أدري.. عبد مأمور) يقصد أنه موظف ينفذ التعليمات، ولا بد من المراجعة، وقررت الرحيل إن طلب إلي ثانية زيارة مركز المخابرات للدردشة، ولكن بعد ٤٥ دقيقة، قيل لي: (معذرة، مجرد خطأ، أهلا بك، في بلدك).. إذا قصد في بلدي بمعنى الجنسية، فمعاملة المخابرات في مثل حالتي أسوأ بكثير، إنما لا أفرّق بالانتماء بين بلدي وسواه من البلدان العربية والإسلامية، ولكن أن يقال إن المعاملة هنا أفضل، كما قيل فعلا، فقد كذب القائل أيضا، فالأمر أمر مقارنة بين سيّئ وأسوأ، وليس بين جيد وأفضل، ومن يصنع ذلك ينطلق من أن الأصل في تعامل الدولة مع البشر هو الإهانة، فمن خفّف درجتها كان أفضل من سواه، وبئس ما ينطلقون منه بدلا من مبدأ الكرامة التي لا تمسّ في الأعراف الدولية المعاصرة؛ أو بدلا من المبدأ الأعظم أنها كرامة ربانية لا تميز بين إنسان وإنسان، كما قرر الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم}.

٠ ٠ ٠

حظر الدخول

المطار.. قاعة مراجعة الجوازات.. رجل الأمن وراء شباك صغير.. معذرة.. لا بد من المراجعة.. غرفة المخابرات الصغيرة.. سؤال وجواب كما كان قبل سنوات لعدة مرات.. ثم الانتظار أقل من ساعة، كما كان في آخر مرة.. هذا ما توقعته، ولكن طال الانتظار، ثم انتقل بي أحد عناصر المخابرات إلى مكان آخر، حيث كان علي -كما أخبرني- مواصلة الانتظار إلى أن أمتطي (طائرة الرحيل) أي أن إشارة الإزعاج لساعة تحولت فجأة إلى إشارة حظر الدخول كلية.

لماذا؟.. لا أدري (هذا جوابهم) هذه هي التعليمات؟

لماذا؟.. لا أدري أنا أيضا؛ واتصلت بأحد الأقرباء وهو من إحدى العشائر، وكان ينتظرني في المطار، واستغرق الأمر زهاء ثلاث ساعات وهو يبذل بعض المحاولات المتواضعة لأدخل أرض البلد العربي الشقيق، قبل أن أدرك أنه لا جدوى من ذلك أصلا.

٠ ٠ ٠

كان المطار عتيقا (تم بناء سواه في هذه الأثناء وتشغيله) وكانت غرفة الانتظار تتسع لعشرة أشخاص بالكاد، وضمّت أكثر من عشرين، وقوفا وجلوسا على المقاعد وعلى أرض الغرفة، وتساءلت: ألن يصيب بعض هؤلاء الاختناق أو الإغماء؟.. وما الذي يمنع من التعامل معهم معاملة (بشرية)؟.. لا أحب كيل المديح لدول غربية، ولكن أعلم دون تجربة مباشرة -فما حدث أن انتظرت الرحيل في مطار من مطاراتها- أنه يوجد في كل مطار، أو غالب المطارات الدولية فيها، فندق داخل الأرض التابعة له، أي لا يعتبر من يقيم فيه متجاوزا للحدود رسميا، فيحتجز جواز السفر، ويوضع في ذلك الفندق كل من يضطر إلى الرحيل بسبب عدم التزامه بقوانين السفر كتأشيرة الدخول وسريان مفعول جواز السفر وما شابه ذلك، وأحسب أن الإقامة تكون على حساب السلطات التي تمنع دخوله ولو كان مخالفا.

ألا يمكن أن يتبع لمطار عربي مثل هذا الفندق ولو لإقامة على حساب من يتم ترحيله دون سابق إنذار، ودون مخالفة القوانين، كما كان الأمر معي؟ 

يبدو على معظم الحاضرين في تلك الغرفة الضيقة أنهم ممن يحاولون الدخول بطرق غير مشروعة قانونيا، وهو ما يسري على القادمين من دول عربية أو إسلامية أخرى، ممن لا يحملون جواز سفر دولة غربية يحصل صاحبه عادة على تأشيرة الدخول خلال دقائق في المطار، أكاد أقول (للأسف) فهنا لا تسري القاعدة الثابتة في العلاقات الديبلوماسية: المعاملة بالمثل، فأي مواطن عربي، من غير أصحاب الشأن (الرفيع) سياسيا أو ماليا، يريد السفر إلى ألمانيا مثلا، يعاني من إجراءات الحصول على تأشيرة السفر من سفارتها، ما لا يحتمله إلا ذوو العزم.. وإن كان ممن يأتي وينفق ما ينفقه السائح وسواه من أموال فيها.

٠  ٠  ٠

معاملة تعيسة

كان جميع من ينتظرون الترحيل في سن الشباب، ويبدو أن المسؤول في غرفة المخابرات أشفق علي أن أجلس -وبالأحرى أقف- لساعات عديدة في ذاك المكان، فتجاوز التعليمات، واستعجل عملية شراء بطاقة سفر أخرى كما رغبت، وانتقل بي إلى قاعة المغادرة في المطار، حيث بقيت منذ وصولي ١٢ ساعة، قبل أن يحين موعد الإقلاع لأنتقل إلى بلد آخر.

هناك اتصلت هاتفيا ببعض من سبق أن كنت على موعد معهم واستحال لقاؤهم، فأبلغتهم بما جرى، وذكر لي أحدهم أنه سيكلف مكتبا للمحاماة ليراجع الأمر رسميا، ولكن بعد أيام أبلغني أن إلغاء حظر الدخول غير ممكن الآن، دون معرفة أسبابه.

هل لذلك علاقة بأحداث سورية؟.. لا أشك في ذلك، ولكن حكومة ذلك البلد تدخل في إطار ما يسمّى (أصدقاء الشعب السوري) والمفروض أنها تقدم العون لمن له علاقة ما بالثورة، وأعلم أن هذا ينطوي على مصالح ذاتية، وينطلق من معايير تضعها كل دولة لنفسها، فهي لا تتعامل مع الجميع معاملة واحدة. لا أحاول التكهن بجواب، ولم أكن أنوي محاولة معرفة الجواب أو محاولة الدخول مجددا لذلك البلد العربي الشقيق.

اتصل بي آخرون من الأحباب ذوي المكانة الرسمية نسبيا داخل الأردن، وأصروا على محاولة أخرى لرفع إشارة المخابرات العجيبة.. ووافقت بعد تردد كبير، وجاءني خبر منهم أن الأمر انتهى قطعا، وأن باستطاعتي الدخول دون عرقلة، وأن صفحتي لدى المخابرات (بيضاء) أو تم تبييضها!

رغم ذلك.. لم أحاول إلا عندما كنت في جولة سفر أخرى، فتوقفت في مطار عمان وفي نفسي أنه إن لم يتم الأمر تابعت السفر، دون كلفة زائدة أو تعطيل وقت طويل؛ وهذا ما حدث بالفعل، مع ملاحظتي أن المطار جديد، وأن قاعة الترحيل أصبحت كبيرة (تليق بمطار كبير وحديث!).. وعندما سألت لاحقا عن المشكلة، اعتذر لي صاحبي اعتذارا شديدا وقال إن المسؤول الذي أعطاه المعلومات أخطأ ففتش في السجل عن اسم مشابه بدلا من اسمي الرباعي!  

حتى ذلك اليوم لم يكن يدور في خلدي أن أكتب خمس حلقات تحت عنوان مخابرات، فجميع ما جرى كان من باب مضايقات فحسب، قد تكون جديرة بالحديث، ولكن لم يعد لقضايا إزعاج (الإنسان) ومصادرة بعض حرياته مكان الأولوية لدى أصحاب الأقلام وهم يرصدون قتل الإنسان، وتعذيب الإنسان، وقهر الإنسان، وتشريد الإنسان، وتجويع الإنسان، ولا يوجد شيء من ذلك دون أن يكون فيه نصيب للمخابرات أو أجهزة الترويع التي تسمى زورا وبهتانا أجهزة أمنية.

أما الذي دفعني إلى الكتابة فهو ما عايشته أواخر رمضان ١٤٣٤هـ، ليس معي مباشرة ولكن رأيت بعيني ما كنت أقرأ أو أسمع عنه وما هو أفظع منه، أو أشاهد صورا عن (نماذج ثقيلة) له على الشاشات الصغيرة.

مررت بمطار عمّان مجددا إذن وتكررت المشكلة، وجلست في قاعة الترحيل الكبيرة تلك أكثر من عشرة ساعات، وكان فيها ٣٨ مقعدا، ولا شيء آخر.. والتقيت هناك بحوالي عشرة من السوريين وآخر فلسطيني (ونساء في غرفة مجاورة) ولاحظت أنهم جميعا ممن كانوا حريصين على صيامهم وقيامهم وتلاوة الكتاب المرافق لهم في سفرهم.

كان لكل منهم قصة، وأصدّقهم فقد انعقدت بيننا علاقة طيبة، تكفي لتقدير أنهم صادقون، ولم أجد في أي من تلك القصص ما يرتبط بأمر من شؤون الأمن ولا حتى الهجرة.. فكأن المخابرات حريصة على أن يكون في تقريرها لأسيادها أن عدد من تم ترحيلهم بلغ كذا وكذا من هذا البلد أو ذاك من البلدان الشقيقة.. أما ما عايشته وعايشه هؤلاء معي هكذا جهارا نهارا فقد كان مع ١٧ شخصا من البنغال، يبدو عليهم أنهم (جماعة مساكين) ولا أدري ما الذي أوصلهم إلى الأردن. ولكن فوجئت بعدد كبير من عناصر المخابرات يدفعونهم دفعا إلى الدخول، وحمل بعضهم عصيا، وانهالوا عليهم ضرباً يرافقه الصياح، طالبين جوازات سفرهم التي أخفوها في متاعهم، وهو ألبسة رثة في حقائب عتيقة، إذا بمحتوياتها تنتشر خلال دقائق على أرض القاعة فوق بعضها بعضا، وعملية الضرب والصراخ مستمرة أمام أعيننا، فواضح أنهم لا يخشون حسابا ولا عقابا في هذه الحياة الدنيا، ونسوا الحساب والعقاب في الآخرة.

واستمر المشهد حوالي ساعة من تلك الليلة (الرمضانية).. لم ننم خلالها لحظة واحدة، وما كان باستطاعتي النوم ولو ساد الهدوء، ولكن تلك المجموعة سقطت تعبا وألما على الأرض. 

لا أقول ما أتعسهم.. بل ما أتعس عنصر المخابرات عندما يفقد إنسانيته.. وما أتعس الحاكم المسؤول عما يجري في بلده على حساب إنسانية الإنسان.. وما أتعس من يرى ولا بصيرة له ليتحرك، ويسمع ولا وجدان له ليقاوم، ويقرأ ولا عقل له ليفكر بمصير بلاده وأولاده وأحفاده.. ثم ما أتعس بلادنا إن لم تشهد الخلاص ليعيش أهلها كراما، ولتستقبل زوارها بالكرامة التي يستحقونها، عساهم يكتبون عنها شيئا آخر غير ما نشرته تحت عنوان مخابرات  ناهيك عمن كتب قصصا يشيب لها الولدان، ومن لم يعد قادرا على الكتابة أصلا، لانتقاله إلى جوار ربه على أيدي المخابرات التعيسة.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب

شارك المقال:PDF

قد يعجبك أيضاً