هذا القلم
نبيل شبيب
كم أعتز بولادتي في عكا ونشأتي في دمشق والتعايش مع الغربة في ألمانيا

ذاكرة
التشريد من عكا
ما أعرفه عن سنوات الطفولة الأولى إنما أعرفه في الدرجة الأولى عبر أحاديث أمي لنا، ومن ذلك إقامتنا في دوما في مزرعة جدي لأمي، وهناك بدأ وعيي على مشاهد أولى متداخلة ومتفرقة، وهناك ولدت أختي الأصغر بين أخواتي الثلاث، بينما كانت ولادة أخويّ الأصغرين في دمشق لاحقا، وكنت بذلك الأوسط بين ثلاثة قبلي وثلاثة بعدي من الإخوة الثلاثة والأخوات الثلاث، وكنت آخر من ولد منهم في فلسطين التي أقام والدي فيها بالمجموع سبعة عشر عاما، يعمل في "مؤسسة سكة الحجاز" في حيفا ثم في عكا حيث كان مولدي يوم ٢٩ من صفر ١٣٦٦هـ (٢١ من كانون الثاني - يناير ١٩٤٧م) في فترة تصعيد مواجهات عسكرية غير متكافئة، بين أهل المدينة العزل من السلاح واقعيا، وبين تنظيمات مسلحة تتبع لعدو تدعمه دول عديدة، كانت تكيد العداء دوماً لأكناف بيت المقدس وتمارسه مباشرة وغير مباشرة، من قبل الحروب الصليبية ومن بعد.
عندما بلغ بأبي اليقين أن مدينة عكا لن تستمر في صمودها طويلا، قرر أن ينقذ أفراد أسرته من القصف المستمر ليلا ونهارا، على أن يبقى من بعدهم فترة من الزمن، قبل اللحاق بهم إلى أقارب لنا كانوا في جنوب لبنان، ثم إلى دوما، ثم إلى دمشق، حيث كانت تقيم أسرته وأسرة أمي.
لم تكن عملية التشريد نفسها سهلة، فعلاوة على انشغال أهل البلد بمقاومة الاحتلال الأجنبي الجديد، كانت الإمكانات الذاتية ضعيفة، وتتعرض للنهب والسلب علاوة على القصف، ولم يكن يوجد تنظيم محكم لعمل المقاومين من عامة السكان ومن بعض المنظمات الحديثة التشكيل، وهذا ما انعكس في قلة وسائل النقل، ويقال -والعهدة على الراوي- إنني مع بعض إخوتي قد أدخلونا إلى الحافلة عبر النوافذ، وكنت في تلك الفترة دون السنتين من العمر.

كان هذا التشريد الأول ووقع بعده أكثر من تشريد آخر، وصحيح أنني لا أميز بين أرض وأرض ووطن ووطن، من بلادنا وأوطاننا، ولكن الحياة في المغترب خارج حدود بلادنا، تعني التشريد في الشتات حتى وإن توافرت ظروف معيشية أفضل. هي ليست مجرد مشاعر، وإن كان التعبير عن المشاعر بالشعر يحفظها، كما في هذه الأبيات المعدودة تحت عنوان "ديار أناجيها":
تلك الديار | |
| لم يســجدِ الهـامُ إلاّ شـطرَ قبـلتِهـا | أو يطــلـبِ النــورَ إلاّ عنـد كـعـبـتــهــا |
| وهـل يطـيــبُ مُـقـامٌ كالمُــقــامِ بهــا | أم هـل تطـيـبُ حـيـاةٌ دونَ رؤيــتــهـا |
| تــفــــديــــكِ مـــــكّـــةَ أرواحٌ وأفــــــئــــــدةٌ | لــم تـعــرف العـــزّ إلا عـــبـــر عـــزّتِـــهـا |
| وحبُ طيبة مـن حب الرسـول وكــمْ | أرجو الشفاعة من ساجٍ بروضتها |
| والقـدس جــرحٌ جـرت أدمـاؤُهُ بدمــي | كدمــاء عكـا على أســـوار قـــلـعـتهــا |
| والشام كالجمرة الحرّى على كبدي | تــؤجج الشـــوق في عيني ودمعتها |
| تـلــك الديــــار أنــاجــيـــهــا وأذكـــرهـــــا | وتوشـك النفس أن تفنـى بغربتها |
عائلة شبيب موزعة على عدد من الأقطار العربية، منذ كانت تلك الأقطار "أرضا عربية إسلامية" لا تعرف الحدود الفاصلة بين أرجائها، إلى أن جزأتها المؤامرات الاستعمارية، وشارك في التنفيذ فريق من العرب، وسقطت الدولة العثمانية فتحولت إلى أشلاء، وإذا بالعرب المشاركين في إسقاطها يتحولون إلى ضحايا للمؤامرات أيضا، وبعد فترة وجيزة، أصبحت فلسطين هي الضحية الكبرى، وأصبحت الأنظمة نفسها مسؤولة عن استمرار التجزئة، واستمرار التخلف، واستمرار نكبة فلسطين إلى يومنا هذا، وكذلك عن استمرار بقائي وأمثالي منذ عقود محرومين من الاستقرار في موطننا الأصلي، بالإضافة إلى حرماننا من حقوق وحريات أساسية، نتطلع إلى يوم العودة، عودة من بقي من المشردين ومن ذرياتهم إلى أراضيهم وعودة الوطن إلى أهله.
* * *
النشأة في دمشق
بعد إقامة قصيرة في صيدا انتقلت الأسرة إلى دمشق، وأول ما أعي منها من وراء ضباب ذاكرة الطفولة الأولى، بلدة دوما -قبل أن تصبح مدينة- حيث كان سكننا الأول في كنف جدّي لأمي نظمي حمزة رحمهما الله، أما جدي لأبي وهيب رحمهما الله فكانت الصور القليلة والحكايات الكثيرة هي بوابة المعرفة به.

مسجد دك الباب
كان أول عهدي بدنيا الأطفال في شارع الروضة في دمشق، حيث كان مسكننا عند مدخل شارع عبد الحميد الزهراوي، قريبا من ساحة عرنوس، وهي ساحة احتفظ السكان باسمها الأصلي، رغم تحويله من جانب السلطات البعثية الأسدية إلى ساحة ٨ آذار، بعد هدم قسم من أبنيتها في أعقاب حريق ردد العامة في حينه أنه كان مدبرا، وقد قضى على البناء القديم لمسجد دك الباب في شارع الصالحية قرب ساحة عرنوس، وكان لي فيه أول روضة من رياض الإقبال على الإسلام، بين يدي إمامه وخطيبه الشيخ عادل الدادا، وقد رأيته آخر مرة في إحدى زياراتي لدمشق لاحقا، وكان في صحبة مفتي سورية آنذاك الشيخ أحمد كفتارو، وأذكر أنه كان شديد الحيرة، لا يدري ماذا يفعل بعد أن فقد مسجده وأهل الحيّ.
عشت في دمشق حتى عام ١٩٦٥م سنة بدأ اغترابي في ألمانيا، وكانت آخر زيارة لي لدمشق عام ١٩٧٧م، وبعدها أصبح يسري علي حكم التشريد، فقد كانت العودة بحكم رحلة انتحارية، إنما دخلت الشمال السوري مرة واحدة في مطالع الثورة الشعبية في سورية.
طفولة قلم
في دمشق نشأت وفي مدرسة عمر بن عبد العزيز في حي الجسر الأبيض كان للأستاذ نجم الدين العجلاني، أستاذي في الصف الثالث الابتدائي، فضل كبير في تشجيعي على الكتابة في تلك السن المبكرة، لا سيما عندما عرضت عليه نصّ رواية كتبتها في خمسين صفحة أو أكثر، ولم تكن تصلح للقراءة قطعا، ولكن بادرني رغم ذلك بكلمات لطيفة مشجعة كما لو كانت رواية عالمية المستوى.

كنت في المدرسة أعشق دروس العربية والحساب، كما كنت لا أنقطع عن مطالعة مجلات الأطفال، وما أستطيع شراءه من قصص من مكتبة صغيرة في إحدى زوايا ساحة عرنوس، يبيعها صاحبها بسعر رخيص بعد أن يتقادم بها العهد، وكانت غالبا من روايات أرسين لوبين أو روايات طرزان، المترجمة عن الفرنسية والإنجليزية، فكنت أخفي القصة عن عيني أبي فأضعها داخل أحد الكتب المدرسية وأنا جالس على مقربة منه في متجره الصغير في الساحة، أو في البيت، وأحسب الآن أنه كان على علم بأمري آنذاك، كما أصبحت من بعد على علم بكثير من أمور أولادي أثناء صغرهم وهم يحسبون أنفسهم يخفون أمرا من الأمور، ولكنه كان يتغاضى متجاهلا، فما كنت مقصّرا في المدرسة، بل اختتمت المرحلة الابتدائية فكنت من العشرة الأوائل في سورية، وقد أصبحت توصف في هذه الأثناء بالإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، وحصلتُ مع آخرين من المحافظات السورية على جائزة، المشاركة في رحلة لمدة ٣٥ يوما إلى بلغاريا، وكان الجزء الأعظم منها في مخيم للشبيبة -ولنقل للأطفال والناشئة- على ساحل مدينة فارنا على البحر الأسود، ويبدو أن الهدف في ظل الاشتراكية التي حكمت مصر وسورية آنذاك، كان أن نتعرف في تلك السن المبكرة على منجزات الدولة الشيوعية البلغارية، فرأينا أجمل صورة يمكن أن تبقى في ذاكرة أطفال بين العاشرة والثانية عشرة من العمر، ثمّ كم كان ذهولي كبيرا عندما رأيت صورا أخرى تماما، وأنا أعبر بلغاريا بالسيارة بعد ١٥ عاما تقريبا، فأرى من كثب أهلها ومدنها وقراها وأحياءها، مرة بعد مرة، أثناء سفري زائرا لبلدي سورية، وقادما من بلد غربتي ألمانيا، حتى أنني كنت أحرص على ألا أتوقف بعد تجاوز حدود النمسا مع بلغاريا، إلا عندما أتجاوز حدود بلغاريا مع تركيا.
المركز الثقافي العربي وجولات مع أقلام الأمس
لم أقتصر في مطالعاتي على القصص الرخيصة كالتي ذكرت، فقد كان المركز الثقافي العربي التابع للدولة في عهد الوحدة، مقصدي المفضل في تلك الفترة، أطالع فيه الروايات العالمية خاصة، وأقرأ لمن اشتهر أكثر من سواه من كتّاب مصر في تلك الفترة التي حفلت بالأقلام المبدعة، على تعدّد الاتجاهات وصراعها فيما بينها، وكنت أستمتع بقراءة مسرحيات توفيق الحكيم، وروايات جرجي زيدان وأستصعب قلم طه حسين، ولكن كنت أسعى لقراءة ما أجده أيضا -وكان قليلا- بأقلام آخرين من عمالقة القلم، ممن تأثرت بالتزامهم الإسلامي وقلمهم الأدبي، من أمثال مصطفى صادق الرافعي وإبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني -الشهير بعبد القادر المازني، وهو اسم جده كما يقول الزركلي صاحب الأعلام- وأحمد حسن الزيات، وغيرهم، وأذكر أنني قرأت معظم ما كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، إلا أنني ما أقبلت إلا متأخرا على كتب عباس محمود العقاد وآخرين ممن قد يطول المقام هنا بذكرهم، وكان هؤلاء بداية الإحساس بما يمكن أن يصنعه القلم في النفوس، وما يمكن أن يؤدّي من خدمات، وأن يؤثر به في مختلف ميادين الحياة.
ثانوية جول جمال
أصبحت في هذه الأثناء في ثانوية جول جمال حيث استأنف تشجيعي معيد المدرسة الأستاذ عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، والذي شاء الله تعالى أن يزوجني بابنته هناء بعد أكثر من عشرة أعوام، وأصبح لنا ابنتان وثلاثة بنين، الأصغر جهاد الذي صمّم الإصدارة الأولى لهذا الموقع أثناء إعداده لامتحانات الشهادة الثانوية، وطوّره إلى إصدارة ثانية وثالثة أثناء دراسته الجامعية، والتي انتقلت منها إلى إصدارات تالية، بعد أن بلغ عدد زيارات الموقع أكثر من خمسة ملايين و٥٠٠ ألف زيارة.
وأصبح لي أحفاد بعد الأولاد، وأسأل الله أن يبارك فيهم وفيمن يليهم، ويجعلهم قرة أعين لأهليهم ويسدّد دربهم إلى ما فيه خيرهم وخير أمتهم دنيا وآخرة.
بين المهد واللحد
فَاعْـلَـمْ بِأَنّـكَ مَهْـــمــا عِـشْـــتَ فـي رَفَــــهٍ
فَسَـوْفَ تَفْـنـى وَيَـفْـنـى عَـيْشُـكَ النّضِـرُ
يَكْـفيـكَ ما خَـفَّ.. هَلْ يَبْـقى سِوى عَمَلٍ
وَالَوَعْـــــدِ أَنْ يَرْحَـمَ الرحْـمنُ مَـنْ صَـبَروا
أَمّــا المَــتـــاعُ.. فَـمــــا الدُّنْـيـــــا بِـبـــاقِــيَــةٍ
إِلاّ لِـبِـضْـــعِ سُــــوَيْــــعــاتٍ.. هِــيَ العُـمُــرُ
في ثانوية جول جمال تعرفت على أستاذي، وحماي من بعد، عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، وقد اختارني في أحد الأعوام مع مدير المدرسة لأكون الخطيب باسم التلاميذ في احتفالهم بعيد الأم، فكنت شديد الاعتزاز بذلك، إذ رأيت فيه شهادة على سلامة لغتي العربية، وقدرتي على الخطابة، وفي هذا الطريق في آخر عام قضيته في ثانوية جول جمال ثم في عام الحصول على الشهادة الثانوية (التوجيهية كما توصف في بلدان عربية أخرى) في ثانوية ابن العميد، ساعدني تردّدي على مسجد أبي النور الذي كان يوصف بمسجد الشيخ كفتارو، فكان لتعلم تلاوة القرآن الكريم أثره الكبير، وقد بدأت أتميز بأن لي اتجاها إسلاميا بين أقراني من تلامذة المدرسة، وأذكر منهم عماد غازي الذي طالما أعجزني تفوقه على الجميع في لعبتنا المفضلة كرة الطاولة، ورياض جابر الذي طالما صدّع رؤوسنا بحديثه الدائم عن كتاب كفاحي لهتلر وكان معجبا به إعجابا كبيرا، وإياد شعبان الذي كان أشدّ المنافسين لي على المرتبة الأولى في الصف، وغياث سابق أكثرنا هدوءا وتحملا لمقالب الزملاء في المدرسة، وبشار حفار التلميذ الأثرى من سواه بيننا والمحبب إلينا جميعا، ثم وضاح العظم وفواز طباع وكنا نشكل الثلاثي الذي لا يفترق في المدرسة ولا خارجها، وسمعت بعد عشرات السنين أن الأول يقيم في أمريكا، أما الثاني فاجتمعت به في زيارة للرياض في السعودية، حيث أصبحت له عيادته الخاصة، إذ أصبح طبيبا كأبيه؛ وكان من أصدقاء الحي السكني في تلك الأيام ماهر طلعت، وانقطعت أخباره عني، ورضوان غيبة، الصديق الذي تعرفت عليه في مسجد أبو النور، ووصلني خبر استشهاده في حرب ١٩٦٧م (١٣٨٧هـ).. وغير هؤلاء كثير.
مدينة الشيوخ والعلماء
في ثانوية ابن العميد في حي ركن الدين بدمشق -وكان يعرف باسم حي الأكراد- كانت المحطة الثالثة من محطات التشجيع المبكر على الكتابة، وجدتها لدى أستاذ العربية الفاضل محيي الدين القضماني، الذي التقيت به في المدينة المنورة بعد سني المدرسة بأكثر من ربع قرن، وقد أصبح شيخا جليلا مهيبا أحرص ما يكون على البقاء في جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان في مدرسة ابن العميد عنوان الصبر والأناة في التعامل مع الزلات والأخطاء التي يرصدها خلال حملي المسؤولية عن اللجنة الثقافية في المدرسة، وإشرافي على المكتبة والإذاعة وجريدة للحائط لتلاميذ المدرسة، وما كان ذاك الإنتاج الصحفي المبكر سهلا في تلك الفترة بين عامي ١٩٦٤ و١٩٦٥م (١٣٨٤هـ)، وقد بدأ الاستبداد البعثي في سورية يكشر عن أنيابه بمعنى الكلمة، ويضاعف من بطشه ذات اليمين وذات الشمال نتيجة انقساماته وصراعاته الداخلية كحزب، ونتيجة رفض الشعب لسياساته التي ناصبت العقيدةَ العداء، وهو ما بلغ الحضيض الأدنى في قصف مسجد السلطان في حماة، واقتحام المسجد الأموي في دمشق بالدبابات.
كانت دمشق آنذاك مدينة الشيوخ والعلماء وكلّ منهم يستقطب أعدادا كبيرة من الشباب في أحد مساجد المدينة، وكان أحب ما أسمعه إلى نفسي -ككثير سواي رغم حداثة السن- دروس الشيخ الفاضل والمربي الكبير علي الطنطاوي رحمه الله، فكانت الحلقات حول المذياع لا تجمع الشباب في البيوت وخارجها إلا على دروسه الإذاعية، قبل أن تخرجه سيطرة البعثيين من سورية مثلما أخرجت من بعده جل العلماء والدعاة الأفاضل، وكان لحديثه -وكتبه من بعد- فضل كبير في تقويم ما اعوجّ به اللسان والقلم تأثرا بكتب ومجلات أو برامج إذاعية جعلوها سهلة المتناول على الشبيبة، في أيام لا يدري الشاب فيها هل كان ذلك نتيجة سياسة مرسومة، أو حصيلة سياسة معوجّة من الأصل كي تتسلل الانحرافات عبر تلك الكتب والمجلات والبرامج الإعلامية إلى القلوب والعقول وتستفز ما استقر فيها من ثقافة الإسلام وأدبه وفكره.
* * *
بون دار الغربة
تلميذ مشاغب
كانت سنوات الوحدة بين مصر وسورية فالسنوات الأولى من الستينات في القرن الميلادي العشرين بداية وعيي على موقع الإسلام في حياة الإنسان، وفي المجتمع، وفي القضايا السياسية وسواها، إلى جانب الرؤية أو التأثر سياسيا بمجرى الأحداث، وفي آخر عامين في المدرسة الثانوية، بدأت أعبر عما يجول في نفسي من إحساس بضرورة التغيير، وقد بدأ حكم حزب البعث عبر انقلاب ٨ / ٣ / ١٩٦٣م، وبدأ يفرض الوجود العسكري والسياسي الجديدين حزبيا، وارتكب لذلك أكثر من جريمة في عامي ١٩٦٤ و١٩٦٥م منها:
قصف جامع السلطان في حماة لإخماد حركة تمرد محلية ذات توجه إسلامي.
اقتحام المسجد الأموي بالآليات العسكرية لإخماد حركة تمرد نقابي وحقوقي.
استبعاد القادة العسكريين غير البعثيين من المراتب العليا في القوات المسلحة.
إصدار أول أحكام إعدام صورية في تاريخ الجيش السوري، وتنفيذها بحق ٢١ ضابطا بعد إخماد محاولة انقلابية.
حملات الاستيلاء على النقابات الحساسة كنقابة المحامين وعلى الأجهزة الحقوقية كالقضاء.
حملات تبديل المعلمين في المدارس بمعلمين من أصحاب التوجه البعثي.
تشكيل فوقي لاتحاد الطلبة للسيطرة على جيل المستقبل.
في تلك الأجواء بدأت بممارسة أنشطة تمرد بدائية في حدود ما يمكن لتلميذ صنعه، فكنت أوظف مسؤوليتي الطلابية عن رئاسة اللجنة الثقافية للتعبير عن الرفض الطلابي والإسلامي للحكم البعثي، وأستخدم لذلك إذاعة ومكتبة ومجلة جدارية كنت قد أسستها في مدرسة ابن العميد بحكم مسؤوليتي عن اللجنة الثقافية، وهو نشاط لم يخل من المخاطرة أثناء الدراسة، حتى أن مدير المدرسة استدعاني يوما وأوعز لي أن أغادر المدرسة على عجل، ولا أعود إلا بعد الاطمئنان على سلامتي، بعد أن علم أن مسؤولين من اتحاد الطلبة قادمون لمساءلتي.
كما امتنعت عن المشاركة في أنشطة الفتوة شبه العسكرية وكانت من شروط الحصول على الشهادة الثانوية، وغادرت معسكر الفتوة الصيفي في منطقة نبع بردى متحديا عدم السماح لي بذلك. وتجنبت المشاركة في مهرجان عسكري للاحتفال بيوم الانقلاب العسكري الحزبي البعثي، وهو احتفال سنوي أضافه الحزب الحاكم ليحل تدريجيا مكان احتفال سنوي وطني وشعبي ورسمي بيوم ١٧ نيسان / إبريل، وهو يوم الذكرى السنوية لجلاء قوات الاحتلال العسكري الفرنسي في سورية.

أثارت بذور ممارسة الرفض والتمرد هذه خشية أبي عليّ من عواقبها، فقد علمت بعد سنين، أنه كتب لأختي في ألمانيا لتسعى من أجل قبول دراسة جامعية لي ليرسل بي خارج البلاد، وهذا ما حصل بالفعل، فبدأت فترة اغترابي منذ أيلول / سبتمبر سنة ١٩٦٥م، ولم أعد أدري إن كانت ستنتهي في يوم من أيام ما بقي لي في هذه الحياة.
قبل الاغتراب
استحكمت المعركة بين الإسلاميين والبعثيين في سورية أثناء ما سمّي حكم الانفصال، لا سيما في جولة انتخابات نيابية نادرة المثال في تاريخ سورية الحديث.
آنذاك قُدّر لي أن أسمع أشهر خطب عصام العطار، قائد التيار الإسلامي في سورية آنذاك، وهو يلقيها في مسجد الجامعة بدمشق، وقد أدت بعد أيام إلى سقوط حكومة مدعومة من الشيوعيين وعسكريا، وتركت كلماته أثرا عميقا في نفسي إلى جانب الأثر الذي تركته أحاديث كانت تدور بين الناس يومذاك، دون أن أدرك التفاصيل إدراكا عميقا أو كافيا، ومحورها أن أحمد كفتارو الذي كنت أتردد على مسجده في حي الأكراد / ركن الدين لاحقا، أعلن تأييده لانتخاب المرشح البعثي رياض المالكي، على حساب المرشح الإسلامي الشيخ مصطفى السباعي، ومنذ ذلك الحين استقرّ الاقتناع عندي أنه لا ينبغي أن يكون التعامل مع الحدث السياسي تعاملا مرتبطا بالانتماء إلى تنظيم ما، بل الأهم هو التصور والفكر والاتجاه القويم، مع التنظيم أو بدونه.
هذا المعنى كان في مقدمة ما جمعني مجددا على الطريق التي اختارها عصام العطار لنفسه ومن سار معه، وهو يطرح فيما يطرح منذ أواسط الخمسينات من القرن الميلادي العشرين أن:
الإسلام هو الأصل والحركات كلها وسائل، وأن الأخوّة في الإسلام لا التنظيم، وأن كل منظمة هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين. وأن التعاون من أوجب الواجبات.

وقد شاء الله لي اللقاء به بعد أن استقر بي المقام في ألمانيا، إذ استقر الترحال فيها أيضا بعصام العطار، بعد خروجه من سورية بقصد الحج وإغلاق الحدود في وجهه ومنعه بذلك من العودة إلى بلده الأول ثم تهجيره من بلد عربي إلى آخر، إلى أن أوصله الاضطهاد إلى السجن في بيروت، ومن هناك نُقل إلى سويسرا وبلجيكا، حيث بقي مريضا عاجزا عن الحركة، قبل أن يستقر به المقام في مدينة آخن الألمانية، حيث سبق أن أقام الطلبة والعمال المسلمون (مسجد بلال) فطلبوا إليه أن يكون مديرا على المركز الإسلامي التابع له، فانطلق يعمل -رغم بقايا المرض وآثاره- ليجمع الشباب المسلم المغترب على الإسلام.
عصام العطار ومسجد بلال
كان عصام العطار في ألمانيا أستاذي الذي شجعني على الكلام في جموع من المسلمين من مختلف الأعمار من الرجال والنساء، وكان يتعهدني بالعناية بصبر لم أعرف مثله في غيره، وهو مَن لا يزال لإرشاداته الفضل الأكبر في كل كلمة خطها القلم عبر عشرات الأعوام التالية، وقد استلمت المسؤولية عن تحرير مجلة (الرائد) التي أسسها في محرم ١٣٩٢هـ وآذار/ مارس ١٩٧٢م، وعندما وافق لي على نشر أول مقالة ترجمتها، كان قد صدر من (الرائد) عشرة أعداد، ولو وصلني ذاك المقال من أحد أصحاب الأقلام الناشئة هذه الأيام، لترددت في نشره. لكن منذ ذلك الحين لم أنقطع عن الكتابة في الرائد أولا، إضافة إلى تأليف بعض الكتب لا سيما عن قضية فلسطين في أواخر السبعينات من القرن الميلادي العشرين، أيام النكبة السياسية الكبرى الأولى في تاريخ القضية، ثم فيما انفسح له المجال من كتابات صحفية في عدد من الصحف والمجلات ومراكز الدراسات، وأخيرا في شبكة العنكبوت وقد أخذت مكانها بين وسائل النشر والإعلام أيضا.
منهج القلم
كان من إرشادات أستاذي عصام العطار أن نضوج القلم مشروط بكثرة القراءة، وأنه لا بد من حسن الاختيار لأمهات كتب الأدب والفكر بغض النظر عن اتجاهات أصحابها، فالوعي كفيل بتوظيف المعرفة توظيفا حسنا، حتى لِما يشمله الضعيف من تصورات وأفكار.
وكان من إرشاداته أن التعبير القوي عند الجهر بالحق والموقف الذي يمليه الواجب، لا يتطلب الشدة في الألفاظ، بل الوضوح والقوة في الفكرة وحسن الأسلوب في التعبير والأداء، فضلا عن التوقيت المناسب والظروف الملائمة.
وكان من إرشاداته أن الاهتمام بالكليات أَوْلى من الاستغراق المضيع للجهود والأوقات في الفروع والتفاصيل وخوض الخلافات حولها.
وكان من إرشاداته أن أفضل السبل لمكافحة الباطل بالقلم، هو سبيل بيان الحق، فظهور شعاع من النور يكفي لمحو أمواج متراكمة من الظلمة.
وربما وجد عصام العطار لديّ من البداية بعض الإتقان للنحو والصرف ولهجةً خطابية، ولكن كان ينقصني آنذاك الكثير خارج هذا الإطار، كي أصل إلى مستوى كتابة تصلح للنشر أو مستوى إلقاء ما قد يفيد الاستماع إليه. والقسط الذي حصلت عليه مع الزمن من هذا (الكثير) هو ما أدين به من بعد فضل الله تعالى، لإرشادات عصام العطار، وهو لا ينفك عن التشجيع حينا، والتقويم حينا آخر، والتصويب حينا ثالثا، والتعليم حينا رابعا، دون أن يشعرني مرة واحدة بأن التشجيع أتى بعد ضعف في الكتابة، ودون أن يبلغ التقويم من الشدة ما يستحقه الاعوجاج في القلم، أو أن يحمل التصويب عتابا على خطأ جسيم، أو أن يرافق التعليم الشعور بأنه يأتي لِمن يقف على أول درجات السلم بين يدي من صعد إلى ذروته، وهو الذي لم يفتأ يردد على مستمعيه، أنه لا يوجد أحد أكبر من أن يتعلم ولا أصغر من أن يعلم، وأن الإسلام في حاجة إلى (جيل جديد يتفوق علينا في كل ميدان من الميادين) جزاه الله تعالى عني وعن كل من انتفع بعلمه وفكره واستقامته وقلمه وجهاده المتواصل واستعلائه على مرغبات الدنيا ومرهباتها خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
الحمد لله
ما كان هذا القلم إلا لحمل الفكر الذي أعيش له كما يريني إياه الإسلام بعونه تعالى، وقد أخذ الفكر اتجاهه وحمل معالمه الأولى من خلال معايشة أستاذي الجليل من كثب عبر العقود الماضية، ولن أبدأ الحديث مفصلا عن ذلك، فجل ما أكتب يتحدث ببعض ما أعطاه، فما كان فيه الصواب فبفضل الله تعالى أولا، وأحمد الله أن كنت تلميذا له فيه، وأما الزلل والخطأ، فمن نفسي، أستغفر الله تعالى عليه، وجزى الله خيرا كل من يعين على استدراكه بنصيحة أو نقد أو تنبيه.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب
ـــــــــ
حرر النص الأصلي لأولى إصدارات مداد القلم يوم: ٢٣/ ٩/ ١٤١٨هـ و٢١ /١/ ١٩٩٨م، وينشر في هذه الإصدارة من مداد القلم بعد تعديل جزئي للتبويب والإخراج.
قد يعجبك أيضاً

من نحن
ثبات الهدف وتطوير الوسيلة
مداد القلم الموقع الشخصي الإعلامي منذ عام ١٩٩٨م يرحب برواده الكرام مجددا

جيل قادم وجيل راحل
إرث ثقيل بعطاءاته المتميزة وثقيل بحصيلة جهوده
ذاكرة – هل نحن في لحظة تاريخية أم لحظة مستقبلية؟
